ابن قتيبة الدينوري
213
تأويل مشكل القرآن
قول العرب . أرض منصورة ، أي ممطورة ، وقد نصرت الأرض : أي مطرت . كأنه يريد : من كان قانطا من رزق اللّه ورحمته فليفعل ذلك ، فلينظر هل يذهب كيده ، أي حيلته غيظه لتأخر الرزق عنه ؟ . في سورة البقرة مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) [ البقرة : 17 ، 20 ] . الَّذِي هاهنا بمعنى الذين استوقدوا نارا ، وربما جاءت مؤدّية عن جميع ، قال الشاعر « 1 » : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد أراد : مثل المنافقين كمثل قوم كانوا في ظلمة فأوقدوا نارا ، فلما أضاءت النار ما حولهم أطفأها اللّه وتركهم في ظلمات لا يبصرون . فالظلمة الأولى التي كانوا فيها : الكفر . واستيقادهم النار قولهم : لا إله إلّا اللّه ، وإن محمدا رسول اللّه . فلما أضاءت لهم ما حولهم واهتدوا وآمنوا : خلوا إلى شياطينهم فنافقوا ، وقالوا : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] فسلبهم نور الإيمان ، وتركهم في ظلمات الكفر لا يبصرون . ثم ضرب لهم مثلا آخر شبيها بهذا المثل ، فقال :
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للأشهب بن رميلة في خزانة الأدب 6 / 7 ، 25 - 26 ، وشرح شواهد المغني 2 / 517 ، والكتاب 1 / 187 ، ولسان العرب ( فلج ) ، ( لذا ) ، والمؤتلف والمختلف ص 33 ، والمحتسب 1 / 185 ، ومعجم ما استعجم ص 1028 ، والمقاصد النحوية 1 / 482 ، والمقتضب 4 / 146 ، والمنصف 1 / 67 ، وللأشهب أو لحريث بن مخفض في الدرر 1 / 148 ، وبلا نسبة في الأزهية ص 99 ، وخزانة الأدب 2 / 315 ، 6 / 133 ، 8 / 210 ، والدرر 5 / 131 ، ورصف المباني ص 342 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 537 ، وشرح المفصل 3 / 155 ، ومغني اللبيب 1 / 194 ، 2 / 552 .